السيد هادي الخسروشاهي
111
في سبيل الوحدة والتقريب
فلم يكن لأحد أن يتنبّأ بتلك الهزيمة الفارسية النكراء للحكومة الساسانية على يد العرب المسلمين . إنّ من العوامل المهمة لانتصار المسلمين - عدا القوة الايمانية والأهداف البيّنة وعقيدتهم برسالتهم التاريخية واطمئنانهم بالظفر والانتصار - هو عدم مواجهتهم بمقاومة جدّية من قبل الإيرانيين ، بل كان العكس ، وذلك بما ذاقوه من القلق والاضطراب والخلل في النظام الداخلي للحكم الساساني . فقد ذكر أحد المؤرّخين أنّ سكان الدولة الإيرانية كان ما يقرب من مئة وأربعين مليون نسمة ، وقد كان عدد كثير من هؤلاء من جنود هذه الدولة المترامية ، بينما لم يكن يصل عدد المجاهدين المسلمين في فتوح إيران والروم إلى ستين ألفاً « 1 » . لقد سئم الإيرانيون من نظام الحكم ومراسيمه الظالمة والقاسية ، ومن الفساد الحكومي والاجتماعي والديني آنذاك ، ومن الطبقية وآثارها وعوارضها التي كان متفشية في كلّ مرافق الحياة ، ولم يكن لأحد أن يخرج من طبقة ليدخل في طبقة أخرى ، فلم يكن القانون بصفته الدينية يبيح لأبناء النجّارين - مثلًا - أن يتعلّموا القراءة والكتابة ، إذ كان حقّ التعليم والتعلّم مقصوراً على أبناء الأعيان ورجال معابد النيران المجوسية ! وقد كان الدين الزرادشتي قد بلغ إلى درجة من الفساد لم يكن يستطيع الإيرانيون معها أن يعتقدوا به بملء قلوبهم ، بحيث إنّه لو لم يدخل الاسلام إيران آنذاك ، لاستغلّت المسيحية الفرصة وسخّرت الكفر الديني للأمة الإيرانية بدل الاسلام ، وبديلًا من الزرادشتية . إنّ عدم رغبة الجنود الإيرانيين في دينهم وحكومتهم لم يكن يحفّزهم على عدم الوقوف في الحروب ضد العرب المسلمين برغبة وطواعية فحسب ، بل كذلك على مساعدتهم في كثير من الموارد . يقول إدوارد براون : « . . . ومن المسلّم أنّ الكثير الذي غيّروا عقيدتهم من
--> ( 1 ) أنظر : سعيد النفيسي ، تاريخ إيران الاجتماعي ، ص 78 ( بالفارسية ) . .